الشيخ محمد رشيد رضا

428

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والظالمون بالابتداع يبغونها عوجا بما يزيدون في الدين من البدع والمحدثات التي لم ترد في كتاب اللّه ولا سنة رسوله ولا سنة الخلفاء الراشدين وجمهور الصحابة ، ومستندهم في هذه البدع النظريات الفكرية ، والتأويلات الجدلية ، ومحاولة التوفيق بين الدين والفلسفة العقلية ، هذا إذا كان الابتداع في المسائل الاعتقادية ، وأما الابتداع بالزيادة في العبادات الواردة والشعائر المشروعة فمنه ما كان كاحتفالات الموالد وترتيلات الجنائز وأذكار المآذن - كالزيادة في الاذان - وما كان في تحريم ما لم يحرم اللّه من الزينة والطيبات من الرزق أو في إحلال ما حرمه كبناء المساجد على القبور واتخاذها أعيادا وتشريفها وإيقاد المصابيح والسرج من الشموع وغيرها عليها ، فان خواصهم يحتجون له بآراء سقيمة ، وأقيسة مؤلفة من مقدمات عقيمة ، واستحسانات ينكرون أصولها ويأخذون بفروعها . وعوامهم يقولون قال فلان من المؤلفين ، وفعل فلان من الصوفية الصالحين ، ونحن لا نفهم كلام اللّه ولا كلام الرسول ، وإنما نفهم كلام هؤلاء الفحول ، بل وجد ولا يزال يوجد من المعممين المدرسين من يصرحون في دروسهم بأنه لا يجوز لمسلم في زمانهم أن يعمل بكتاب اللّه ولا بسنة رسوله ( ص ) ولا بما نقله المحدثون عن سلف الأمة الصالح ، بل على كل مسلم أن يأخذ بما يلقنه إياه أي عالم ينتمي إلى مذهب من المذاهب المعروفة ، وان لم يرو ما يلقنه عن امام المذهب ولم يستدل عليه بدليل مبني على أصول المذهب التي كان بها مذهبا كعمل أهل المدينة عند مالك بشرطه ، وكون الاجماع الذي يحتج به هو اجماع الصحابة دون من بعدهم وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد وروي عن أبي حنيفة وكالخلاف في الاحتجاج بالحديث المرسل والظالمون بالزندقة والنفاق يبغونها عوجا بالتشكيك فيها بضروب من التأويل يقصد بها بطلان الثقة بها والصد عنها ؟ ومذاهب الباطنية التي أدخلت في الاسلام من منافذ التشيع والتصوف معروفة وقد كان لواضعي تلك التأويلات من الفرس غرض سياسي من افساد الاسلام على أهله واحداث الشقاق بينهم فيه وهو اضعاف العرب وإزالة ملكهم للتمكن من إعادة ملك فارس وسلطان الملة المجوسية ، ثم رسخ بالتقليد في طوائف من أجناس أخرى حتى العرب جهلوا أصله ، ومن الافراد من يحاول إفساد دين قومه عليهم ليكونوا مثله ، فلا يكون محتا بينهم ، ومن زنادقة عصرنا من يحاولون هذا لظنهم أن قومهم لا يمكن أن يكونوا كالإفرنج في حضارتهم المادية الشهوانية إلا إذا تركوا دينهم وهم يرون الإفرنج يتعصبون لدينهم وينفقون الملايين في سبيل نشره